تعلم مع أرباح

أربعة مكونات أساسية للتحول الرقمي الناجح

تركز الشركات التي تستجيب للتطورات التقنية بشكل كبير على السرعة أولًا، فهي تقوم بإجراء التغييرات سريعًا في أهم الجوانب – من خلال إطلاق التطبيقات أو تشكيل فرق العمل المرنة أو استخدام إمكانات التحليل الجديدة واختبار نماذج العمل الرقمية المبتكرة. ويتمثل الهدف الأساسي في تلك الحالة في مواكبة التغير المستمر في المجال، ولكن بعد المرحلة الأولى من النجاح، غالبًا ما تفقد المبادرات الواعدة للتحول الرقمي زخمها. كما أنها تواجه العديد من العقبات في طريقها نحو التوسع وتحقيق الأثر المستدام، ومنها البنية التحتية القديمة للتكنولوجيا وعدم توافق النماذج التشغيلية واستخدام أساليب العمل القديمة أو هيمنة ثقافة تقاوم التغيير. ويظهر ذلك بوضوح في المسح السنوي الذي أجريناه بمشاركة أكثر من 1,200 قائد من قادة الأعمال حول العالم.

عندما طلبنا من المشاركين قبل ثلاث سنوات ترتيب الأولويات فيما يتعلق بتحقيق الريادة الرقمية، انحصرت إجاباتهم بشكل أساسي في اتخاذ القرارات بسرعة أكبر وتنفيذها سريعًا لتوفير عروض متميزة. أما اليوم فنرى أن هناك أسبابًا تجعل السرعة وحدها غير كافية: فمع ضرورة التحرك السريع من أجل التفوق، يتطلب تحقيق القيمة الكاملة للتحول الرقمي التوسع في أفضل مبادرات الشركة في المؤسسة للوصول إلى أثر واسع النطاق. يحتاج ذلك عادةً إلى إعادة تزويد البنية التقنية بالأدوات اللازمة بالتزامن مع تعزيز القدرات الرقمية في كافة أنحاء المؤسسة.

تتمثل الأفضلية التي تتفوق فيها الشركات المتقدمة على غيرها من الشركات في كونها قامت لتحقيق غاية محددة، حيث لا يقتصر تصميم بنيتها التحتية التقنية على كونها مناسبة لطموحاتها الرقمية، بل أيضًا على طريقة إدارة أعمالها واتخاذ القرارات واستخدام التكنولوجيا في كافة الجوانب اليومية للعمل.

وينطوي التنافس في العالم الرقمي على التحوّل في كل من المهارات العملية (كومة التكنولوجيا) والمهارات الشخصية (النموذج التشغيلي) لإيجاد بيئة عمل تسمح بإرساء التغيير على نطاق واسع وتمكين استراتيجية التغيير بفضل التقنيات الرقمية. إلا أن ذلك يعني مخاطرة بارزة: فكيف يمكن تجنب انقطاع سير العمل في الظروف غير المواتية لذلك؟

بدأت أفرقة القيادة التي تقود التحول الرقمي بفهم هذه المعادلة، حيث أصبحت لدى الشركات في هذه المرحلة خبرة كافية تُمكنها من معرفة الطرق المبتكرة لبناء الجسور نحو المستقبل دون أن تسبب الزحام في الأنظمة القديمة. وبالنظر إلى أكثر الجهود فعالية، تمكّنا من تحديد أربعة أنماط للتحول الرقمي تسمح للشركات بإعادة بناء نفسها والمنافسة مع الآخرين في الوقت ذاته.

وضع الأسس الرقمية

يتضمن النمط الأول الشركات التي تتعرض للضغط من أجل بناء قدرات رقمية جديدة والتي تبدأ من الصفر فعليًا. فالتهديد هنا واضح ويتزايد بشكل مستمر، ولكن عليها مع ذلك إيجاد منصة فعالة للتغيير – وينطبق ذلك على العديد من الشركات الصناعية.

على سبيل المثال، تستخدم شركات التصنيع الكبرى منذ زمن طويل تقنيات متقدمة كالروبوتات لأتمتة وتحسين عملياتها الإنتاجية. ولكن الاستخدام الصناعي للبيانات وإمكانات التحليل أصبح يتطور باتجاه شكل جديد للمنافسة، حيث تستخدم الشركات إمكانات التحليل والنماذج التنبؤية لتحسين كافة جوانب العمل، بدءًا من إدارة سلسلة الإمداد وصولًا إلى الصيانة والخدمة. ويتطلب تنفيذ بنية تحتية رقمية جديدة مجموعة جديدة تمامًا من القدرات التأسيسية، وبخاصة ما يتعلق بأنظمة الاستشعار وإمكانات التحليل المستخدمة لجمع وتفسير المعلومات في الشركة.

تكامل المشهد الرقمي المشتت

تعاني الشركات التي تنتمي إلى النمط الثاني من التشتت الرقمي – وهو ما يعني أنها لا تعاني من نقص في وجود المشاريع الرقمية في كل مكان بالشركة ولكنها تفتقر إلى القدرة على منح الأولوية للمبادرات الواعدة والتوسع فيها عبر المؤسسة.

هذا النمط شائع في الشركات العالمية للسلع الاستهلاكية، والتي تستخدم أنظمة تقنية المعلومات القديمة والمختلفة من منطقة لأخرى أو من وظيفة إلى أخرى. وفيما قد تقدم تلك الشركات العديد من الابتكارات المميزة لخدمة العملاء على الصعيد المحلي، فإن عدم توافق التقنيات وانسجامها معًا يزيد صعوبة تنفيذها على مستوى الشركة بالكامل أو التعلم من تلك الأفكار.

تغلغل التحول الرقمي في كل المستويات

يواجه النمط الثالث كذلك معضلة الأنظمة القديمة في مجال الأعمال ولكن المشكلة مختلفة في هذه الحالة. فبدلًا من تشتت بنية تقنية المعلومات، تمتلك تلك الشركات سنوات من الأنظمة التراكمية التي قامت على بعضها البعض بالتزامن مع تطور الأعمال، لينشأ عنها تشابك يسبب انعدام الكفاءة والمرونة، وبالتالي يبطئ الشركة وردود فعلها.

إطلاق أعمال جديدة لاغتنام الفرص الرقمية

أحيانًا تتطلب وتيرة وحجم التطور في قطاع ما تغييرا أكثر مما يمكن لشركة أن تدعمه. فحجم التغيير أو مدى تعقيده أو المقاومة التي يواجهها قد تمنع التحرك بالسرعة الكافية للحفاظ على التنافسية. وتتمثل الإجابة في إطلاق أعمال جديدة بالكامل لاقتناص الفرص التي لا يمكن للعمل الأساسي الاستفادة منها، وهو أمر قد يشكل رهانًا جريئًا ينطوي على مخاطر كبيرة، ولكنه على الأرجح ليس أكثر خطورة من الوقوف مكتوفي الأيدي دون اتخاذ أي إجراء في سبيل التحسين المتزايد للتغلب على المنافسين.

وهنا تكون المغامرة الرقمية بمثابة هجوم ودفاع في نفس الوقت – فمن الناحية الهجومية، فهي تسمح للشركات بدخول أسواق جديدة مسلّحة بحلول مصممة خصيصًا لتناسب أهدافها وتخلوا تمامًا من الأنظمة القديمة. أما من الناحية الدفاعية، فهي تمنح الشركة قيمة جديدة لاستقطاب العملاء الجدد في أسواقها القائمة – كاستهداف جيل الألفية والطلاب والشباب على سبيل المثال – بهدف بناء قاعدة عملاء للمستقبل.

الجرأة هي الطريق الأمثل

لا يمكن لتلك الأنماط الأربعة بالطبع مواجهة جميع المخاطر والتحديات التي تواجهها الشركات فيما تدرس الأسلوب الأمثل للتحول والمنافسة في العالم الرقمي. فالهدف منها هو وضع تصنيف واسع يسلّط الضوء على الحقائق العملية التي تنطوي عليها أية رحلة للتحول، وبخاصة في وقت يشهد تطورات متسارعة. كما أنها تشجع قادة الشركات على دراسة عاملين أساسيين:

ما هي طبيعة وسرعة التطور الرقمي الهائل الذي سيشهده قطاعنا؟

وما هي الجوانب التي يجب أن تتغير في تقنياتنا ونموذجنا الرقمي لتمكين الشركة من التحرك بسرعة كافية لمواكبتها؟

انتهى بنا المطاف إلى أنه توجد توجهات إلى التقليل من التقدير في كلا النقطتين: من المحتمل أن يحدث الاضطراب بشكل أسرع مما تعتقد، وربما يكون التحدي المتمثل في تحويل شركة لتظل قادرة على المنافسة أصعب مما تتوقع. وغالبًا ما يؤدي هذا التوجه إلى التدرج أو إلى استراتيجية لإطلاق مبادرات رقمية صغيرة تفشل في نهاية المطاف في إحداث التغيير.

تدرك الشركات التي تُصنف ضمن تلك الأنماط الأربع بأن نجاح التحول الرقمي يعتمد على التوازن – وبالتحديد على القدرة على إحداث التغيير الواسع دون التأثير على العمل الأساسي. ويمكن لكل شركة أن تعثر على السبيل الأمثل لها، ولكن تحقيق التحول الرقمي يتطلب دومًا الإقدام والجرأة.

بقلم جيمس أندرسون، شريك لدى بين آند كومباني في لندن، وتوم دي وايل، شريك لدى بين آند كومباني الشرق الأوسط

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى